En

كيف تهدد الحرب على إيران الاقتصاد العالمي

بقلم:  دينا إسفندياري: رئيسة قسم الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط في بلومبرغ إيكونوميكس، ومؤلفة كتاب "نظام جديد في الخليج: صعود الإمارات العربية المتحدة".

بيكا واسر: محللة سياسات أولى في مؤسسة راند، حيث تشمل مجالات بحثها الرئيسية ألعاب الحرب والأمن الدولي والدفاع الأمريكي والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط.

زياد داود: كبير الاقتصاديين المتخصصين في الأسواق الناشئة لدى بلومبيرغ إيكونومست، وزميل بارز في كلية هارفارد كنيدي. 

الناشر: مجلة Time الامريكية

ترجمة وتحرير: مؤسسة غداً لإدارة المخاطر: نصر محمد علي 

 

بعد نحو أسبوعين من اندلاع حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مع إيران، باتت التكاليف الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذا الصراع على المنطقة والاقتصاد العالمي باهظة، وهي في ازدياد يوماً بعد يوم. إن رد إيران السريع والواسع النطاق على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وموجات هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج العربي مستهدفةً الفنادق والمطارات والبنية التحتية للطاقة، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، تشكل مجتمعة كابوساً مكلفاً لدول الخليج.

لقد استثمرت دول الخليج بكثافة في بناء صورة مُنمّقة بعناية بوصفها ملاذ للاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. مدن مزدهرة نابضة بالحياة، تزخر بالأنشطة والفعاليات الرياضية العالمية والمؤتمرات وخيارات الطعام المتنوعة، ووعد بحياة أفضل وأكثر راحة للجميع. وفي الوقت الذي تعاني فيه أوروبا والولايات المتحدة من حالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، استقطبت الإمارات العربية المتحدة مئات الآلاف من الوافدين الباحثين عن وظائف ذات رواتب مجزية وضرائب منخفضة واستقرار، لا سيما بعد جائحة كوفيد-19.

تُبرز الهجمات الإيرانية، والصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع لألسنة اللهب المتصاعدة من فندق ومطار وميناء في الإمارات، فضلًا عن البنية التحتية للطاقة في المنطقة، قدراً من الهشاشة وتهدد ذلك الشعور بالأمن والازدهار. وحتى لو انتهت الحرب قريباً - وهو أمر يبدو مستبعداً في الوقت الراهن – فان دول الخليج ستضطر إلى التعامل مع تداعياتها لسنوات قادمة.

تحدٍ أمني كبير في الخليج

ان العقد الاجتماعي بين حكام دول الخليج ومواطنيهم - وأغلبيتهم المتزايدة من المقيمين الأجانب – يقوم على أن يضمن الحكام سبل عيش السكان وراحتهم وأمنهم بإزاء الدعم. ولذلك، سارعت العائلات الحاكمة في الإمارات إلى طمأنة الشعب. ففي مساء الثاني من آذار / مارس، تجوّل محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، والشيخ حمدان بن محمد بن راشد، ولي عهد دبي ووزير الدفاع، في دبي مول للتأكيد على أن بلادهم آمنة.

لقد كشفت الحرب النقاب عن مواطن الضعف العسكرية والأمنية في المنطقة. لسنوات طويلة، اعتمدت دول الخليج العربي، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، على الحماية الأمنية الأمريكية. فقد اشترت أسلحة أمريكية، واستضافت قواعد عسكرية أمريكية وموّلتها، بل وفي بعض الحالات وأرسلت جنودها للقتال إلى جانب القوات الأمريكية في أفغانستان وضد تنظيم داعش الارهابي.

عندما عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، استقبلته دول الخليج استقبالاً حافلاً: رحّبت به في أول زيارة خارجية رئيسية له، وضخّت كميات إضافية من النفط في السوق بعد أشهر من   ضبط الانتاج، وتعهدت باستثمارات وعقود شراء بمليارات الدولارات، كل ذلك للحفاظ على دعم ترامب. ولكن، عندما اشتدت الحاجة، طغت مساعي الكيان الصهيوني الحثيثة لشن حرب أمريكية مع إيران على الجهود التي بذلتها دول الخليج لتفادي اندلاع حرب أمريكية مع إيران. 

وكانت دول الخليج قد وضعت ثقتها في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، متجاوزةً تحفظاتها الأمنية الراسخة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وصور الرادار في الوقت الفعلي - حتى مع الكيان الصهيوني. اشترت أنظمة دفاع جوي مثل باتريوت وثاد، حيث تراوحت تكلفة كل البطارية الواحدة بين 350 و400 مليون دولار. وقد أثبتت هذه الأنظمة فعاليتها إلى حد كبير، إذ جرى   اعتراض معظم المقذوفات الواردة، لكنها لم تكن منيعة بالكامل.

وقد استغلت إيران خللاً صارخاً في الكلفة: إذ تراوحت تكلفة طائراتها المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه بين 20,000 و50,000 دولار أمريكي للطائرة الواحدة، بينما بلغت تكلفة الطائرات الاعتراضية المستخدمة لتدميرها 4.19 مليون دولار أمريكي للواحدة. وهكذا وجدت دول الخليج نفسها في الجانب الخاسر من معادلة الكلفة، حيث نفدت مخزوناتها من الطائرات الاعتراضية تحت وطأة كثافة القصف الإيراني الأولي. وسارعت الطائرات المقاتلة والمروحيات باهظة الثمن إلى إسقاط الطائرات المسيرة رخيصة الثمن.

كما كشفت الهجمات الإيرانية عن حدود التنسيق بين دول الخليج. صحيح أن الحرب خففت من حدة بعض التوترات بين السعودية والإمارات، إلا أن البلدين - وجيرانهما - عانوا في سبيل بلورة رد جماعي متماسك على الضربات الإيرانية. ويعود جزء من هذه الصعوبة إلى عوامل بنيوية: فالانضمام إلى الهجمات الأمريكية سيفضي حتماً إلى رد إيراني أشد ضراوة ضد أهداف خليجية. وتفصح الأزمة أيضاً عن فشل استراتيجية التحوّط التي اتبعتها دول الخليج، والمتمثلة في التحالف مع الولايات المتحدة، وإبقاء الكيان الصهيوني على مسافة (باستثناء الإمارات)، وفي الوقت نفسه الانخراط مع إيران والسعي لاحتوائها. وقد فشلت هذه الموازنة في إبقاء الخليج خارج دائرة الصراع.

النفط والغاز واقتصادات الخليج

ان التكاليف الاقتصادية حقيقية. فعلى مدى عقود، رسّخت دول الخليج سمعتها بوصفها موردة موثوقة للطاقة، متجنبةً عمداً استخدام النفط والغاز بوصفه سلاح بعد سبعينيات القرن المنصرم. حتى خلال الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على قطر عام 2017، واصلت الدوحة تزويد الإمارات بالغاز عبر الأنابيب. إلا أن الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة، والاضطرابات التي تعصف الآن بمضيق هرمز - الذي يمر عبره 20% من نفط العالم ونحو 20 % من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم - قد حطّمت هذا التقليد من ضبط النفس.  وقد حذرت قطر للطاقة من أنها لم تعد قادرة على ضمان إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى زبائنها بعد أن هاجمت طائرة مسيرة إيرانية أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد بدأ الزبائن بالفعل في البحث المحموم عن إمدادات بديلة.

إن اضطراب تدفقات الطاقة يشكل مصدر قلق كبير للاقتصاد العالمي، وإيران تدرك ذلك جيداً. وقد تعلمت في الوقت الراهن أن تعطيل مضيق هرمز أمر سهل نسبياً وغير مكلف: جهد منخفض وتأثير كبير. وهذا يعني أنها على الأرجح ستتجاوز الخط الأحمر مجدداً. وقدد هدد علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، يوم الثلاثاء عبر منصة "اكس" قائلاً: " إما يكون مضيق هرمز مضيق سلام وازدهار للجميع، أو سيكون مضيق هزيمة ومعاناة لمثيري الحروب".

وبعيدًا عن الهيدروكربونات، فان أكثر مجالات التنويع الاقتصادي نجاحاً في الخليج كان في قطاعي الخدمات اللوجستية والنقل. غير أن الحرب تعرقل حركة الطيران والموانئ في أنحاء المنطقة كافة. ولا تزال الجغرافيا ترجح كفة مراكز الخليج على منافسيها، وإذا توقف القتال قريبًا، فقد يتم احتواء الأضرار. أما استمرار الصراع لمدة طويلة فسيلحق ضرراً بالغاً بشبكات الخدمات اللوجستية.

ثمّة تكلفةٌ لا تُقدّر بثمن، ألا وهي الخسائر في الأرواح. في الواقع، يُعدّ نقص الأيدي العاملة تكلفةً اقتصاديةً ثالثةً محتملةً للحرب في المنطقة. إذ تضمّ منطقة الخليج أعلى نسبةٍ من المقيمين والعمال الأجانب في العالم، وقد يدفع استمرار عدم الاستقرار البعض إلى إعادة النظر في مستقبلهم هناك. مع ذلك، قد يكون هذا الخطر مُبالغاً فيه. ففي أماكن مثل دبي، استقرّ ملايين المغتربين ويبدو أنهم أكثر ميلًا إلى انتظار انتهاء الصراع.

ستعتمد التكلفة التي ستتكبدها منطقة الخليج جراء هذه الحرب في نهاية المطاف على مدتها. فإذا انتهى القتال العنيف في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع، فقد تكون الصدمة مؤقتة. أما الحرب الأطول أمداً، فتنذر بآثار أعمق، من تعطيل تدفقات الطاقة، وزعزعة استقرار المستثمرين، وتقويض سمعة الخليج تدريجياً بوصفه منطقة أمن واستقرار.

 

تعليقات الزوار