En

مؤسسة غداً لإدارة المخاطر تصدر كتاباً جديداً بعنوان “الدولة الهشة: بين الدولة الفاشلة والدولة الآيلة للسقوط

في إطار إصداراتها البحثية المعنية بدراسة قضايا الدولة وإدارة المخاطر، أصدرت مؤسسة غداً لإدارة المخاطر كتاباً تحليلياً جديداً بعنوان: “الدولة الهشة: بين الدولة الفاشلة والدولة الآيلة للسقوط”، والذي يقدم مقاربة فكرية ومنهجية معمقة لمفهوم “هشاشة الدولة” في الأدبيات السياسية المعاصرة، مع تفكيك أبعاده النظرية وتطبيقاته العملية في تحليل أزمات الدول.
ويطرح الكتاب قراءة نقدية لتطور هذا المفهوم داخل الفكر السياسي الدولي، موضحاً أنه لا يُعد مجرد تصنيف تقني لحالات الضعف المؤسسي، بل هو إطار معرفي تشكّل ضمن سياق التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب الباردة، وتزايد الاهتمام العالمي بقضايا الأمن والتنمية والتدخلات الدولية.
ويذهب المؤلف د. حمزة شريف إلى أن مفهوم الدولة الهشة ارتبط في كثير من الأحيان بسياقات سياسية تتجاوز التحليل الأكاديمي المحايد، ما يفرض ضرورة التعامل معه بحذر منهجي.
وينطلق الكتاب من إعادة مساءلة مفهوم الدولة ذاته، من خلال التمييز بين الدولة والحكومة، حيث يوضح أن الدولة تمثل بنية مؤسسية ومجتمعية شاملة، بينما الحكومة تُعد أحد أذرعها التنفيذية. ويؤكد أن هذا التمييز ضروري لفهم جذور الهشاشة، إذ إن اختزال الدولة في الحكومة يؤدي إلى تشخيص خاطئ لمصادر الضعف البنيوي.
وفي تعريفه للهشاشة، يشير الكتاب إلى غياب تعريف دولي موحد، غير أن الأدبيات المتقاربة تتفق على أن الدولة تُعد هشة عندما تعجز عن أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمتها توفير الأمن، وتقديم الخدمات، وضمان الشرعية السياسية. كما يؤكد أن الهشاشة ليست حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية تتطور عبر الزمن نتيجة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة.
ويطرح الكتاب محوراً تحليلياً أساسياً يتمثل في أن جوهر فهم الهشاشة يكمن في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، باعتبار أن الدولة الحديثة تقوم على عقد اجتماعي ضمني، يتأسس على تبادل الالتزامات بين السلطة والمواطنين. وعندما يختل هذا التوازن، تبدأ مظاهر الهشاشة بالظهور بوصفها تعبيرًا عن أزمة في الشرعية والتفاعل الاجتماعي.
كما يفصل الكتاب في الوظائف الجوهرية للدولة، مثل احتكار استخدام القوة، إدارة المالية العامة، فرض سيادة القانون، وتقديم الخدمات الأساسية، موضحاً أن ضعف هذه الوظائف أو تآكلها يشكل المؤشر الأكثر دلالة على تدهور بنية الدولة. ويشير إلى أن هذه الوظائف مترابطة بنيويًا، بحيث يؤدي خلل أحدها إلى إضعاف المنظومة ككل.
وفي تحليل أوسع، يتناول الكتاب أبعاد الهشاشة المتعددة، حيث يربط بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فالهشاشة الأمنية تظهر في فقدان السيطرة على أدوات العنف، بينما تتجلى الاقتصادية في ضعف النمو وسوء إدارة الموارد، في حين يعكس البعد الاجتماعي تفكك التماسك الداخلي وتصاعد الانقسامات، ويُعد الفساد عنصراً بنيوياً يفاقم جميع هذه الأبعاد.
ويرى المؤلف أن العامل الحاسم في إنتاج الهشاشة لا يكمن في نقص الموارد أو الفقر بحد ذاته، بل في ضعف المؤسسات وقدرتها على إدارة الموارد بشكل فعال. كما يبرز الكتاب الطبيعة الدائرية للهشاشة، حيث تتفاعل أسبابها ونتائجها بشكل متبادل، ما يؤدي إلى تعميق الأزمة وتعقيد مسارات الخروج منها.
ويتناول الكتاب أيضاً العلاقة بين الهشاشة والصراع، مؤكداً أنها علاقة تفاعلية متبادلة، إذ يمكن للهشاشة أن تنتج صراعاً، كما أن الصراع بدوره يعمّق الهشاشة عبر تدمير البنى المؤسسية وإضعاف الاقتصاد والمجتمع.
وفي بعده النقدي، يناقش الكتاب الاستخدام السياسي لمفهوم الدولة الهشة في السياسات الدولية، معتبراً أنه في بعض السياقات استُخدم كأداة لتبرير التدخلات الخارجية، خاصة في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، ما يفرض ضرورة التمييز بين الاستخدام التحليلي والاستخدام السياسي للمفهوم.
كما يتناول الكتاب إشكالية مؤشرات قياس الهشاشة، مشيراً إلى أنها رغم أهميتها التحليلية، إلا أنها ليست محايدة بالكامل، إذ تعكس في بعض الأحيان تصورات معيارية مرتبطة برؤى سياسية واقتصادية معينة، ما يستوجب التعامل معها ضمن سياقها النقدي.
وفي ما يخص سبل المعالجة، يطرح الكتاب مقاربة شاملة تقوم على إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر تعزيز الحوكمة، وترسيخ الشرعية، وتحسين الأداء المؤسسي، بدل الاقتصار على الإصلاحات التقنية. ويؤكد أن بناء الدولة هو عملية طويلة ومعقدة تتطلب فهمًا عميقًا للسياقات التاريخية والاجتماعية لكل حالة.
كما يشدد على أن الدعم الدولي يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في بناء القدرات، لكنه قد يتحول إلى عامل إضعاف إذا لم يُصمم بما يتوافق مع الخصوصيات المحلية، محذراً من استنساخ النماذج الجاهزة في بيئات مختلفة.
وفي ختام تحليله، يقدم الكتاب رؤية متكاملة تعتبر هشاشة الدولة ظاهرة مركبة تتداخل فيها الأبعاد المؤسسية والسياسية والاجتماعية، وأن تجاوزها لا يتحقق إلا من خلال إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس من الشرعية والكفاءة والاستجابة الفعلية لتطلعات المجتمع، بما يعزز استقرار الدولة وقدرتها على الصمود أمام الأزمات.

تعليقات الزوار