En

الاستقطاب أحد أكبر مخاطر العالم

بقلم: أليم تيدينيكي - مسؤول الإعلام – كندا وأمريكا اللاتينية وأهداف التنمية المستدامة، World Economic Forum

 

يُعد الاستقطاب خطراً عالمياً رئيسياً يؤثر في العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية الأخرى. قبل عقود، قدّم الزعيم الأمريكي الراحل في مجال الحقوق المدنية جيسي جاكسون مساراً لبناء الائتلافات.

كانت فلسفته التنظيمية بسيطة: الوحدة لا تتطلب التشابه.

غالباً ما يُنظر إلى الوحدة والاختلاف بوصفهما نقيضين. ويُطلب من القادة الاختيار بين تحالفات واسعة وهويات واضحة، بين الشمول والتماسك.

قبل أربعين عامًا، رفض جيسي جاكسون هذه الفرضية.

بصفته ناشطاً بارزاً في مجال الحقوق المدنية، وسياسياً وزعيماً دينياً أمريكياً، أسس جاكسون ما عُرف بـ«ائتلاف قوس قزح» على فكرة مختلفة: أن التضامن المستدام يمكن أن يتشكل ليس عبر تقليل الاختلافات، بل عبر التنظيم على أساسها.

ائتلاف صيغ من الاختلاف، لا رغماً عنه

اليوم نتحدث عن الاستقطاب وكأنه ظاهرة جديدة — لكنه ليس كذلك. الجديد هو حجمه ومخاطره.

يُحدد تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الاستقطاب المجتمعي كخطر لا يعمل بمعزل عن غيره، بل يرتبط بعدم المساواة، والمعلومات المضللة، وتآكل القيم المشتركة. ويصف التقرير هذه الدينامية بأنها «قيم في حالة حرب»، في إشارة إلى أن الانقسام يتجاوز مجرد الخلافات السياسية.

لذلك، عند البحث عن نماذج ناجحة لبناء الائتلافات — ليس نظرياً بل عملياً — يستحق ائتلاف قوس قزح الانتباه.

عندما أطلق جاكسون حملتيه الرئاسيتين في عامي 1984 و1988، كانت القاعدة السائدة في التنظيم السياسي بسيطة: ابنِ قوتك داخل قاعدتك، خاطب جمهورك، ولا تُخفف رسالتك. لكن جاكسون فعل العكس.

جمع ائتلاف قوس قزح بين الأقليات العرقية والإثنية، والطبقات العاملة، والناخبين الشباب، والمجتمعات الريفية، وغيرهم ممن جرى تهميشهم بشكل منهجي. لم تكن هذه المجموعات تشترك في التاريخ ذاته أو في المظالم نفسها، لكن ما جمعها كان أعمق: انعدام الأمن الاقتصادي، وضعف الصوت السياسي، ونظام سياسي مضى قدمًا من دونهم.

تحدث جاكسون بصراحة وبنبرة أخلاقية واضحة، وغالباً من دون مواربة، إلى جمهور لم يعتد سماع هذا الخطاب. خاض حملته في مجتمعات قيل لها — صراحة أو ضمنًا — إن أصواتها هامشية، وقدم حجة مقنعة بأنها ليست كذلك. وشمل ذلك تسمية الأمريكيين المثليين والمثليات صراحة كجزء من ائتلاف قوس قزح، والدعوة علناً لاتخاذ إجراءات بشأن فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في وقت التزم فيه معظم القادة السياسيين الصمت.

لم يطلب الائتلاف من الناس التخلي عن هوياتهم باسم الوحدة، بل أكد أن الوحدة والاختلاف يمكن أن يتعايشا، وأن المصالح المشتركة يمكن أن تكون أساساً لقوة مشتركة.

كانت النتائج ملموسة. ففي عام 1984، ساعد جاكسون في تسجيل أكثر من مليون ناخب جديد، وحصل على نحو 3.5 مليون صوت في الانتخابات التمهيدية. وأسهم هؤلاء الناخبون الجدد في استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ عام 1986. وبحلول عام 1988، ساعد في تسجيل مليوني ناخب إضافي، وفاز بسبع انتخابات تمهيدية، وتصدر لفترة وجيزة عدد المندوبين، وحصل على قرابة سبعة ملايين صوت.

لم يفز جاكسون بالترشيح الرئاسي، لكن ذلك لم يكن شرطاً لنجاح الائتلاف. وكما قال لاحقاً عضو برلمان ولاية إلينوي إيمانويل ويلش: «لولا ترشح جيسي جاكسون في 1984 و1988، لما كان لدينا باراك أوباما رئيساً».

المبادئ ما زالت قائمة

كانت الفكرة الجوهرية لائتلاف قوس قزح واضحة: الوحدة لا تتطلب التشابه.

وهذا يتعارض مع نزعتين بارزتين في الثقافة السياسية السائدة اليوم. الأولى هي التفكك، أي الانكفاء داخل هويات ضيقة تجعل بناء الائتلاف مستحيلاً لأن الفروق تبدو شاسعة. والثانية هي الإجماع القسري، أي الضغط لتقليل الاختلافات باسم الوحدة، وهو ما يصب غالباً في مصلحة من يملكون السلطة أصلاً.

قدم ائتلاف قوس قزح مساراً ثالثاً: الاعتراف العلني بالاختلافات بدل تجاهلها، وجعل المصالح المشتركة أساسًا لقوة مشتركة.

ويقدم إرث جاكسون ثلاثة دروس عملية لقادة اليوم:

الانطلاق من الواقع المادي المشترك: فالدعوات المجردة للوحدة لا تدوم، بينما يدوم الاعتراف الواضح بالمصالح المشتركة مثل الأمن الاقتصادي، وإتاحة الفرص، والشعور بأن الصوت مسموع فعلاً.

تصميم الشمول بدل افتراضه: لم يظهر ائتلاف قوس قزح صدفة، بل تطلّب تواصلاً مقصوداً، وبنية مدروسة، واستعداداً للتعامل مع الاختلاف بدل تجاوزه سريعاً.

اعتبار الاختلاف مورداً: الائتلافات التي تجمع خبرات ووجهات نظر متنوعة تكون أكثر صلابة من تلك التي تحقق التماسك عبر التماثل. الهدف ليس الاتفاق على كل شيء، بل وجود هدف مشترك كافٍ للتحرك معًا فيما هو أهم.

لم يخلُ ائتلاف قوس قزح من التوترات، ولم يكن متماسكًا دائمًا، كما لم تخلُ حملات جاكسون من الجدل.

لكن النموذج — أي الاختيار المتعمد للتنظيم عبر الاختلاف لا داخله — تجاوز الحملات الانتخابية. وخلاصته بسيطة: الوحدة لا تُكتشف، بل تُبنى.

لماذا يهم ذلك الآن؟

اليوم، لم يعد الاستقطاب ثقافياً فحسب، بل أصبح بنيوياً. فعدم المساواة الاقتصادية يركز السلطة في أيدٍ أقل، وتراجع المؤسسات المدنية يقلل المساحات التي يمكن فيها التفاوض على الاختلاف. في الوقت نفسه، تُسرّع المعلومات المضللة فقدان الثقة، وتجعل العمل الجماعي أكثر صعوبة. وعندما يتفاقم الاستقطاب بهذه الطريقة، يصبح أكثر من مجرد مشكلة سياسية؛ بل مشكلة حوكمة ومرونة، وفي نهاية المطاف مشكلة اقتصادية.

وهذه ليست قصة أمريكية فقط. فمن أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء إلى جنوب شرق آسيا، يتكرر النمط ذاته: حين يتزامن انعدام الأمن الاقتصادي مع الإقصاء السياسي، تتعمق الانقسامات. والسؤال عن كيفية بناء ائتلافات مستدامة عبر الاختلافات بات سؤالًا تواجهه كل المجتمعات.

لم يحل ائتلاف قوس قزح هذه القوى البنيوية — فلا مبادرة واحدة قادرة على ذلك — لكنه يقدم ما يحتاجه قادة اليوم بإلحاح: دليلاً عملياً على أن الائتلافات الواسعة والشاملة ممكنة حتى في أوقات الانقسام الحاد، وأن بناءها، قبل كل شيء، خيار مقصود.

تعليقات الزوار