En

صادرات نفط حكومة إقليم كوردستان: تقدم صوب الاستقرار أم هدنة مؤقتة؟

الكاتب: هو خبير اقتصادي ومحلل في مجال التنمية، كما أنه عضو في شبكة الاقتصاديين العراقيين. ويحمل درجة الماجستير في اقتصاديات السياسات العامة من كلية برشلونة للاقتصاد. تتركز أبحاث محمد بصورة رئيسية على قطاع الطاقة في العراق وتنمية القطاع الخاص. وقد نُشرت أعماله في مطبوعات عراقية ودولية بارزة، منها "تقرير النفط العراقي"، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومجلتا "فورين أفيرز" و"فورين بوليسي".

الناشر: IRIS 

التاريخ: شباط / فبراير 2026 

ترجمة : مؤسسة غداً لإدارة المخاطر - نصر محمد علي 

 بعد توقف دام أكثر من عامين، استؤنفت صادرات النفط من إقليم كردستان العراق عبر تركيا في أيلول / سبتمبر2025. وترتبط هذه الشحنات بترتيب انتقالي تقوم بموجبه الحكومة الاتحادية العراقية بتسويق النفط الخام وبيعه الذي تنتجه حكومة إقليم كردستان وشركات النفط العالمية مقابل صرف مخصصات من الموازنة العامة . لا يحل هذا الترتيب النزاعات القانونية بين بغداد وأربيل، غير أن المحللين يرون أنه يمثل خطوة أولى إيجابية. تُعنى هذه الورقة ببيان ما إذا كان اتفاق النفط مقابل الموازنة يمثل حلاً مستداماً "مربحاً للطرفين"، أم أنه مجرد حل مالي مؤقت. كما تقيّم ما إذا كان هذا الاتفاق سيفضي إلى وضع يمكن معه تحقيق استقرار ملموس في المالية العامة لإقليم كردستان، حتى وإن لم يحل النزاعات القانونية والسياسية العميقة بشأن سلطة النفط التي تُمثل جوهر الصراع. يعد هذا الاتفاق، الذي وصفه قادة الدولة في بغداد  بأنه تاريخي، جزءاً لايتجزأ من قانون الموازنة الاتحادية الذي يمتد لثلاث سنوات، ويسعى إلى معالجة مشكلة عملية ألا وهي: كيفية استئناف صادرات النفط وتمكين الحكومة العراقية من دفع رواتب موظفي حكومة إقليم كردستان والمتقاعدين. وتتلخص أبرز ملامح الاتفاقية على النحو الآتي:

• تتولى المؤسسة الحكومية الاتحادية لتسويق النفط (سومو) تصدير النفط الخام من إقليم كردستان عبر خط أنابيب العراق-تركيا. وقد نُفذ هذا الجزء بنجاح، واستمرت الصادرات لأكثر من ثلاثة أشهر بموجب هذا الترتيب.

• تتلقى حكومة إقليم كوردستان، في مقابل تنازل حكومة إقليم كردستان عن هذه السيطرة للحكومة الاتحادية، تحويلات منتظمة من الموازنة لتمكينها من دفع رواتب موظفي القطاع العام. ومع ذلك، يُفترض أن تقدم أربيل بيانات مالية وجزءاً من إيراداتها غير النفطية. وقد نُفذ هذا الجزء على نحو جزئي، فما تزال المدفوعات غير منتظمة.

• تتضمن الاتفاقية إطاراً مؤقتاً لدفعات شركات النفط العالمية واسترداد التكاليف، حيث خُصص 16 دولاراً أمريكياً للبرميل بوصفه قيمةً مؤقتةً لشركات النفط العالمية المنتجة للنفط. ويرتبط هذا الترتيب بتعديلات في قانون الموازنة العامة، ومن المقرر أن يبقى سارياً حتى يتم المضي قدماً في إجراء تقييم من جانب طرف ثالث. وقد دخل هذا الجانب حيز التنفيذ، حيث تم صرف الدفعات الأولية بالفعل.

• ستجري شركة وود ماكنزي الاستشارية، وهي طرف ثالث، تقييماً مستقلاً لتحديد تكاليف الإنتاج والتصدير. ومن المتوقع أن تقوم الشركة بتقييم التكاليف والمساعدة في تنظيم المدفوعات، وهو الأمر الذي من شأنه الحد من المفاوضات غير الرسمية. وقد تم التعاقد مع الشركة بالفعل، ومن المتوقع أن تشرع بعملها . وتتمثل الفائدة المباشرة للاتفاقية في تسوية التدفقات النقدية ، الأمر الذي أدى إلى تحسين الأوضاع لكل من حكومة إقليم كردستان وشركات النفط العالمية. فبالنسبة لحكومة إقليم كردستان، يُعد استئناف الصادرات أداة لتحقيق الاستقرار على المستوى الكلي، وليس مجرد قرار ذي صلة بالطاقة. أما بالنسبة لشركات النفط العالمية التي كانت تبيع سابقاً في السوق المحلية بأسعار مُخفضة للغاية (حوالي 30 دولاراً للبرميل) ، ويعد العمل ضمن إطار استرداد التكاليف عند 16 دولاراً للبرميل يمثل تحسناً واضحاً. ومن بين الفوائد المباشرة المماثلة التي تعود على الحكومة العراقية زيادة السيطرة والرقابة على الصادرات الشمالية، إلى جانب الوصول إلى عائدات النفط المتأتية من حقول النفط في إقليم كردستان  . ومع ذلك، فإن هذه الآثار المباشرة لا تُغطي سوى جزء من الصورة، وهناك تداعيات مالية ومؤسسية وسياسية أخرى.

أثر الاتفاق على حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية  

تتمثل إحدى طرق تقييم أثر الاتفاق على بغداد وأربيل، في مقارنة ثلاثة مسارات مالية محتملة لكل من حكومة إقليم كردستان الحكومة العراقية: 1) سيناريو أساسي حيث لا ينفذ فيه الاتفاق وينهار التعاون، 2) سيناريو متشائم حيث يكون هناك امتثال جزئي وتعاون محدود، و3) سيناريو متفائل حيث يستمر التعاون بشأن صادرات النفط ودفع الرواتب على المدى الطويل. 

يُعد السيناريو الأساسي الأكثر استناداً إلى البيانات التاريخية، حيث تظهر مدة توقف الصادرات مدى الحساسية التي تتسم بها المالية العامة لحكومة إقليم كردستان حيال الوصول الى خط الانابيب العراقي التركي.  أما بالنسبة لبغداد، فإن مثل هذا الانهيار سيفضي إلى تجدد اضطراب الصادرات الشمالية، وتراجع القدرة على التنبؤ بالإيرادات، والعودة إلى المساومات السياسية المؤقتة بشأن تنفيذ الموازنة. ومن شأن هذه النتيجة إلى تدهور التعاون، وخسائر كبيرة في الإيرادات، وتشوهات اقتصادية كلية أوسع نطاقاً. وفي هذه السياق، ستغدو التحويلات بين المستويين الاتحادي والاقليمي موضع نزاع سياسي عندما تتعرض المالية الاتحادية للضغوط. وعلى أرض الواقع، يتجلى هذا التوتر في المقام الأول في التدفقات النقدية لحكومة إقليم كوردستان، حيث تكون التأخير في الدفع فورياً وواضحاً للغاية، ويثير رد ردود فعل سياسية شعبية غاضبة. وعلى مدى العامين الماضيين، خسر إقليم كردستان فعلياً ما يعادل رواتب ثلاثة أشهر، أو أكثر من 12% من استحقاقاته المالية الفعلية لحكومة إقليم كوردستان. يتصور السيناريو المتشائم وضعاً تستمر فيه حكومة إقليم كوردستان في دفع الرواتب على نحو غير منتظم، مع بقاء الإنفاق على الاستثمار والتنمية محدوداً. في ظل هذه النتيجة، تواجه حكومة الإقليم صعوبة بالغة في تفادي الانهيار المالي التام، وتبقى حبيسة حالة توازن تتميز بانخفاض في الاستثمار والنمو. بالنسبة لبغداد، يحافظ هذا السيناريو على الاستقرار على المدى قصير الأجل، لكن على حساب استمرار الضغوط المالية، وتباطؤ زخم الإصلاحات، والاعتماد المستمر على الترتيبات المؤقتة عوضاً عن الحلول المؤسسية. يتسم الوضع الاقتصادي الحالي للعراق بتزايد الضغوط على الموازنة، واستمرار حركيات البحث عن الريع التي تؤثر على تشكيل الحكومة وخياراتها السياسية. في ضوء هذه الحركيات، يبدو السيناريو المتشائم هو الأكثر واقعية، ويبدو سيناريو الامتثال الجزئي هو الأرجح في المدى القريب. وهو أيضًا السيناريو الذي يستمر فيه الاتفاق، ولكن دون تحقيق التحول المالي أو المؤسسي الأعمق الذي يحتاجه كلا الطرفين في نهاية المطاف. بإزاء ذلك، يفترض السيناريو المتفائل استمرار التعاون في مجال صادرات النفط ودفع الرواتب. وبالنسبة لحكومة إقليم كردستان، فإن المكاسب المالية (كما هو موضح في الشكل 1) واضحة: تحسن استقرار التدفقات النقدية، وتقليل التقلبات السياسية المرتبطة بدفع الأجور، والتحول التدريجي من إدارة مالية مدفوعة بالأزمات صوب مستوى أدنى من القدرة على التنبؤ. "يمكن لهذا السيناريو أيضاً أن يمهد السبيل لتسوية أكثر استدامة إذا ما ظلت الحكومتان - ولاسيما حكومة إقليم كردستان - ملتزمتين بالشروط المالية والفنية للاتفاقية"، تبعاً لأحمد الحاج رشيد، العضو الكوردي المخضرم في لجنة المالية بالبرلمان العراقي . 

 تم تقدير هذه الأرقام في إطار سيناريو التنفيذ الكامل للاتفاق، حيث تقوم حكومة العراق بتمويل رواتب موظفي حكومة إقليم كردستان بالكامل، وتلتزم حكومة إقليم كردستان بالكامل بالمساهمات الاتحادية وتقدم النفط بمستويات الإنتاج الحالية (188,000 برميل يومياً للتصدير و50,000 برميل يومياً للاستهلاك المحلي). هذه الأرقام إرشادية وتختلف باختلاف الحركيات السياسية وحركيات السوق. وعلى الرغم من أن تحويلات الرواتب والإيرادات غير النفطية لن تُنفذ سوى لمدة 10 أشهر فقط في عام 2025، فإن الحسابات تفترض 12 شهراً من أجل الوضوح في إطار سيناريو العام الكامل. وتستند التقديرات إلى البيانات الشهرية المتاحة للجمهور الصادرة عن وزارة المالية العراقية والهيئة العامة للنفط في العراق وشركة سومو. 

أما بالنسبة لبغداد، فان  المكاسب المتوقعة من السيناريو المتفائل تختلف، بيد أنها لا تقل أهمية. فإلى جانب تحسين الرقابة على تدفقات النفط الشمالية عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، يوفر استئناف الصادرات خط الانابيب العراقي – التركي  للعراق تنويعاً استراتيجياً لمسارات تصدير النفط الخام، الأمر الذي يقلل اعتماده شبه الكامل على المحطات الجنوبية في البصرة. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة في وقت ما تزال فيه المخاطر الأمنية في الخليج – وما قد يترتب عليها من تعطيل لحركة المرور عبر مضيق هرمز - تشكل نقطة ضعف اقتصادية كلية خطيرة للعراق . ومن خلال الحفاظ على منفذ إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط، تقلل الحكومة العراقية من مخاطر تركيز الصادرات، وتحسن مرونة الإيرادات، وتقلل من احتمالية حدوث صدمات أمنية إقليمية. كما يتيح هذا الترتيب لشركة سومو بتوسيع حصتها السوقية عبر الاستجابة لارتفاع الطلب في السوق غداة الحظر الأوروبي على النفط الروسي عن طريق الاستعاضة جزئياً عن خام الاوراق .  

 تم تقدير هذه الأرقام في إطار سيناريو التنفيذ الكامل للاتفاق، حيث تقوم حكومة العراق بتمويل رواتب موظفي حكومة إقليم كردستان بالكامل، وتلتزم حكومة إقليم كردستان بالكامل بالمساهمات الاتحادية وتقدم النفط بمستويات الإنتاج الحالية (188,000 برميل يومياً للتصدير و50,000 برميل يومياً للاستهلاك المحلي). هذه الأرقام إرشادية وتختلف باختلاف الحركيات السياسية وحركيات السوق. وعلى الرغم من أن تحويلات الرواتب والإيرادات غير النفطية لن تُنفذ سوى لمدة 10 أشهر فقط في عام 2025، فإن الحسابات تفترض 12 شهراً من أجل الوضوح في إطار سيناريو العام الكامل. وتستند التقديرات إلى البيانات الشهرية المتاحة للجمهور الصادرة عن وزارة المالية العراقية والهيئة العامة للنفط في العراق وشركة سومو . 

صفقة رابحة للطرفين

تغدو الصفقة "رابحة للطرفين"، من الناحية الاقتصادية، عندما تُقرب كلا الطرفين من حالة توازن تعاوني مستقر. فبالنسبة لحكومة إقليم كردستان، يوفر اتفاق عام 2025 مزيدًا من اليقين بشأن الإيرادات والاستقرار السياسي، وذلك من خلال مدفوعات موازنة منتظمة ويمكن التنبؤ بها. وقد بدأ سوق العمل في كوردستان بالفعل بتجسيد هذه التحسينات، حيث انتعش النشاط الاقتصادي حول حقول النفط التي استؤنف فيها الإنتاج أو ازداد، تبعاً لمحمد دلو، صاحب شركة خدمات تعمل في قطاع النفط .  أما بالنسبة لبغداد، فان المكاسب تكمن إلى حد كبير على الصعيد الاستراتيجي. إذ يتعين على الحكومة العراقية تخصيص حيز محدود من الموازنة (كما هو موضح في الشكل 2) لتحويلات مالية إلى حكومة إقليم كردستان في وقت حذر فيه صندوق النقد الدولي مراراً وتكراراً من تزايد هشاشتها المالية وهياكل إنفاقها الجامدة . ولكن في الواقع، فإن بغداد مستعدة لتحمل هذه التكلفة لأن عدم الاستقرار المالي في إقليم كوردستان لايقتصر على الإقليم وحده: فهو يمتد إلى السياسة الوطنية، ويعقد الترتيبات الأمنية، ويقوض ثقة المستثمرين في العراق ككل. من هذا المنظور، لا تُعد التحويلات تنازلاً لأربيل بقدر ما هي أداة لاحتواء مخاطر أوسع نطاقاً. كما يوفر ذلك رقابة أوضح على الصادرات وشفافية أكبر بشأن النفط المنتج في إقليم كردستان من خلال تسويقه عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو) . ويتوافق هذا مع تفسير الحكومة العراقية للسيادة على صادرات النفط الخام. "وهذا يغذي نزعة بغداد المركزية ضد الفيدرالية التي أُقرت بعد عام 2003"، تبعاً لوائل منذر ، وهو باحث بالشأن الدستوري وعضو في الفريق الإداري لشبكة "عين" لمراقبة الانتخابات والديمقراطية. وترى هذه الشبكة أن السيطرة على الموارد تشكل أساس السيادة، لا سيما في دولة ريعية بامتياز كالعراق .  وإلى جانب الدوافع السياسية والدستورية المحلية، تأثرت الصفقة أيضاً بضغوط خارجية حيث حث المسؤولون الأمريكيون على استئناف الصادرات من الشمال .  

أما بالنسبة لأربيل، فإن التكلفة الرئيسة تتمثل في تقلص الاستقلال المالي (أو الاعتماد على عائدات النفط)، وهو ما يُرجح أن يعيد تشكيل الاقتصاد السياسي لإقليم كردستان بمرور الوقت. تميل الحكومات التي تعتمد اعتماداً كبيراً على التحويلات المشروطة إلى إعطاء الأولوية للامتثال قصير الأجل وإدارة السيولة على حساب التنمية المؤسسية طويلة الأجل، ما لم تقترن هذه الترتيبات بحوافز لتوسيع نطاق الإيرادات غير النفطية وتعزيز إدارة المالية العامة. ومن ثم، تبقى المخاوف بشأن انحراف حكومة إقليم كردستان عن الاتفاق غير واضحة في ظل الحركيات الحالية . 

المخاطر التي تواجه الاتفاق

تتمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسة التي تعتري اتفاق 2025 في أنها تضاف إلى نقاط الضعف الأساسية التي يعاني منها العراق، ولا سيما في ظل الانخفاض المستمر لأسعار النفط. فبدون إجراء تعديلات على السياسات، ستزداد الديون والمخاطر الخارجية على المدى المتوسط. يحتاج العراق إلى إطار مالي موثوق يضمن توزيع الإنفاق على نحو متوازن خلال دورات عائدات النفط . إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض وتزايدت قيود أوبك+، فستُختبر قدرة بغداد على استمرار التحويلات إلى أربيل. هذه مشكلة شائعة في التحويلات المالية على المستويين الاتحادي والإقليمي في الاقتصادات التقليدية الريعية كالعراق: إذ تتحول صدمة المركز إلى تأخير في دفع الأجور في الأطراف. زد على ذلك، يمكن أن تفضي الثغرات في التنفيذ إلى تقويض التعاون تدريجياً. يتضمن الاتفاق تحديد أحجام الصادرات وتكاليف الإنتاج وجدول السداد. إذا تأخر إجراء التقييم المستقل للتكاليف أو أضحى محل نزاع، فان المدفوعات المستحقة لشركات النفط العالمية بسرعة إلى نقطة ضغط. وقد نص الاتفاق المؤقت صراحةً على إجراء مثل هذه التقييمات لمعالجة تعويضات شركات النفط العالمية . هذا الأمر يثير قلق حكومة إقليم كردستان وشركات النفط العالمية، وعلى وفق أحد قادة حكومة إقليم كوردستان الذين شاركوا في التفاوض على الاتفاق . وتعتقد بعض شركات النفط الدولية العاملة في إقليم كوردستان أنها، في ظل الترتيبات المؤقتة وغياب تدقيق مستقل للتكاليف، لا تحصل إلا على 75% أو أقل مما تعده "استحقاقها التعاقدي العادل" . وتواصل شركات النفط الدولية التعاون لأن البديل هو توقف الإنتاج، وما يترتب على ذلك من حالة عدم اليقين المطول بشأن مخاطر استرداد التكاليف، الأمر الذي يقوض الثقة ويضعف الاتفاق من الداخل. ومن المتوقع معالجة هذه المسألة في الربع الأول من عام 2026 عبر تكليف شركة استشارية خارجية بتقييم وتدقيق تكاليف إنتاج وتصدير النفط. زد على ذلك، ثمّة مخاطر إقليمية أوسع نطاقاً. فممر خط الأنابيب ليس مجرد قناة محايدة، بل هو أداة نفوذ. إذ يمكن أن تتعطل تدفقات النفط بسبب النزاعات القانونية والقرارات السياسية المتخذة في أنقرة أو بغداد، بصرف النظر عن ظروف الإنتاج على أرض الواقع . أضف إلى ذلك، ما تزال تسوية المدفوعات المتأخرة لشركات النفط الدولية مسألة بالغة الأهمية. إذ تدين حكومة إقليم كردستان بأكثر من مليار دولار أمريكي متأخرات لشركات النفط العالمية عن صادرات سابقة ومطالبات استرداد التكاليف. وبما ان بغداد تتحكم في الوقت الراهن على عائدات التصدير، فان سداد الديون يعتمد فعلياً على موافقة الحكومة الاتحادية. وقد حوّل هذا مطالب شركات النفط العالمية بضمانات موثوقة إلى اختبار لنوايا بغداد. وإلى حين تسوية المتأخرات ووضع آليات سداد قابلة للتنفيذ، ستظل الالتزامات المستحقة تلقي بظلالها على ثقة المستثمرين وتحد من الآثار الإيجابية للاتفاق على الاستقرار. وأخيراً، يتعين معالجة معنويات المستثمرين. فحتى عند استئناف الإنتاج، مايزال المستثمرون يأخذون     عدم الاستقرار في الحسبان. قد يفضي التوصل إلى اتفاق انتقالي إلى استعادة التدفقات النقدية ويُبقي على استمرار تشغيل الحقول، بيد أنه لا يتيح توفير تمويل جديد للإنفاق الرأسمالي تلقائياً. ويتجلى ذلك في التراجع المستمر في الإنتاج على مدى السنوات الثلاث الماضية. ونتيجة لذلك، اختار العديد من المشغلين البقاء في حالة ترقب، إذ حافظوا على مستويات الإنتاج مع تأجيل قرارات الاستثمار طويلة الأجل إلى حين اتضاح الإطار المؤسسي . 

 

  الخلاصة: الطريق إلى الأمام 

 يميل المحللون المطلعون على الاقتصاد السياسي العراقي إلى توخي الحذر إزاء التفاؤل السياسي المحيط باتفاق 2025. يعد هذا الترتيب الأفضل بوصفه هدنة قابلة للتطبيق- هدنة تختبر قدرة العراق على الانتقال من المساومات التقديرية إلى فيدرالية مالية تستند على قواعد أوضح في قطاع النفط. إن الفرص الإيجابية المحتملة حقيقية، إذ تشمل صادرات أكثر استقراراً، وصدمات أقل في الموازنة، ومنصة لإجراء إصلاحات فنية- مثل القياس، ومراجعة التكاليف، وتسويق أكثر شفافية- مما قد يسهم في تخفيف التوترات السياسية واستقرار العلاقات المالية بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان. غير أن المخاطر حقيقية بالقدر نفسه. فإذا تعثرت عملية مراجعة التكاليف، أو إذا تقلص الحرية المالية الفيدرالية، فقد يعود النظام إلى الأنماط المألوفة المتمثلة في تأخر المدفوعات، وتزايد المتأخرات، والعقاب السياسي. على المدى المتوسط، يظل الطريق صوب الاستدامة واضحاً: إطار قانوني متماسك للنفط والغاز، وقواعد تحويل بين المركز والاقليم موثوقة، وإدارة مالية عامة تقلل الاعتماد على نفقات الرواتب مع تعزيز الإيرادات غير النفطية. هذا هو التوجه الموصى به تحديداً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي للعراق . إلى حين تطبيق هذه الإصلاحات، يبقى الدرس الأهم من هذه الاتفاقية هو درس بسيط ولكنه بالغ الأهمية: ففي العراق، الاتفاقات الجزئية أفضل من عدم وجود اتفاق بالمرة.

 

تعليقات الزوار