تحولات الصراع في العراق: من الحرب التقليدية الى بيئة الحرب الرمادية
بقلم: شهلاء الهاشمي - صحفية وباحثة لدى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
إشكالية التحول في طبيعة الصراع
يشهد العراق تحولًا بنيويًا في طبيعة الصراع الأمني والاستراتيجي، يتمثل في الانتقال من أنماط الاشتباك العسكري المباشر إلى بيئة "الحرب الرمادية" (Gray Zone Warfare)، حيث تتداخل أدوات القوة الصلبة والناعمة ضمن نطاقات منخفضة الحدة ولكن عالية التأثير الاستراتيجي.
هذا التحول يطرح إشكالية مركزية تتمثل في:
كيف يمكن فهم إعادة تشكيل الردع في بيئة لم تعد فيها الحرب والسلم حالتين منفصلتين، بل فضاءً متداخلاً من العمليات المحدودة، والإنكار الاستراتيجي، وإدارة التصعيد؟
الإطار المفاهيمي: الحرب الرمادية وإعادة تعريف الصراع
تشير الحرب الرمادية إلى الأنشطة التي تقع بين الحرب التقليدية والسلام، وتستخدم لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية دون الوصول إلى عتبة الحرب الشاملة.
وتتميز هذه البيئة بثلاث خصائص رئيسية:
• الغموض الاستراتيجي (Strategic Ambiguity)
• الإنكار القابل للتصديق (Plausible Deniability)
• التصعيد التدريجي منخفض الحدة (Low-Intensity Escalation)
في السياق العراقي، لا تُمارس هذه الحرب عبر دولة واحدة فقط، بل عبر شبكة معقدة من الفاعلين الدوليين والإقليميين وغير الحكوميين، ما يجعل العراق مساحة "تعدد سيادات أمنية غير مكتملة".
المنهجية: تحليل نمط الصراع المركب
تعتمد هذه الدراسة على منهج تحليل النظم الأمنية المركبة (Complex Security Systems Analysis)، والذي يفترض أن البيئة الأمنية العراقية لا يمكن تفسيرها عبر الفاعلين التقليديين فقط، بل عبر تفاعل ثلاث طبقات:
• طبقة الدول (State Actors)
• طبقة الفاعلين غير الحكوميين (Non-State Actors)
• طبقة الأدوات التكنولوجية غير المتماثلة (Asymmetric Technologies)
ويتم تحليل التفاعل بين هذه الطبقات لفهم ديناميات الردع غير المباشر.
العراق كفضاء حرب رمادية متعدد المستويات
1. المستوى الإقليمي: هندسة الردع المتبادل
يمثل العراق ساحة مركزية لتقاطع الاستراتيجيات الإقليمية، حيث يتم استخدامه كمنصة لإدارة التوازنات بين قوى مثل إيران والولايات المتحدة.
في هذا السياق، لا تهدف العمليات إلى الحسم، بل إلى إعادة ضبط معادلات الردع بشكل مستمر.
2. المستوى المحلي: تعدد مراكز القوة
يشهد العراق حالة من "تجزئة السيادة الأمنية"، حيث تتداخل سلطات الدولة مع قوى مسلحة وشبكات نفوذ محلية، ما يؤدي إلى:
• صعوبة احتكار العنف المشروع
• تعدد قنوات اتخاذ القرار الأمني
• ضعف مركزية الردع الرسمي
3. المستوى التكنولوجي: تصاعد أدوات الحرب غير المتكافئة
برزت الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية كأدوات رئيسية في إعادة تشكيل الصراع، حيث تسمح بتنفيذ عمليات دقيقة دون انخراط مباشر واسع النطاق، ما يعزز منطق "الضرب دون إعلان".
من الردع التقليدي إلى الردع المُدار
يُظهر المشهد العراقي تحولًا من مفهوم الردع الكلاسيكي القائم على التهديد المباشر إلى مفهوم أكثر تعقيدًا يمكن تسميته بـ:
الردع المُدار (Managed Deterrence)
وهو نموذج يقوم على:
• إدارة مستوى التوتر بدلًا من إنهائه
• استخدام عمليات محدودة كإشارات استراتيجية
• الحفاظ على "استقرار غير مستقر" يسمح بالتحكم في التصعيد
في هذا السياق، تصبح الضربات العسكرية أدوات اتصال سياسي-أمني أكثر من كونها أدوات حسم.
الفاعلون غير الحكوميين كأدوات استراتيجية
أحد أبرز التحولات في الحرب الرمادية داخل العراق هو صعود الفاعلين غير الحكوميين كأدوات ضمن هندسة الردع الإقليمي.
هؤلاء الفاعلون يؤدون وظائف متعددة:
• تنفيذ عمليات منخفضة التكلفة عالية التأثير
• توفير مساحة إنكار للدول الداعمة
• خلق ضغط مستمر دون مسؤولية مباشرة
وبذلك، يتحولون من مجرد أطراف صراع إلى أدوات ضمن بنية الردع نفسها.
اقتصاد التصعيد وإدارة التوتر
تعتمد الحرب الرمادية على ما يمكن تسميته بـ اقتصاد التصعيد (Escalation Economy)، حيث يتم الحفاظ على مستوى ثابت من التوتر دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في العراق، يتجلى ذلك عبر:
• عمليات متقطعة ضد أهداف محددة
• ردود محسوبة لا تهدف إلى الحسم
• استخدام التصعيد كوسيلة تفاوض غير مباشر
هذا النموذج يخلق حالة "استنزاف استراتيجي طويل الأمد" دون انهيار النظام الأمني بالكامل.
تآكل السيادة وإعادة تشكيل الدولة الأمنية
تؤدي الحرب الرمادية إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة، حيث تصبح الدولة أقل قدرة على احتكار القرار الأمني، وأكثر اعتمادًا على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية.
وتتمثل أبرز نتائج ذلك في:
• تعدد مصادر القوة داخل الدولة
• ضعف مركزية القرار الأمني
• تحول السيادة إلى مفهوم وظيفي وليس مطلقًا
وبالتالي، لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في إنتاج الردع، بل أحد أطرافه فقط.
استشراف المستقبل: نحو استقرار غير حاسم
من غير المرجح أن يتجه العراق نحو حرب شاملة، كما أنه لا يتجه نحو استقرار تقليدي.
بل يُتوقع استمرار نمط:
"الاستقرار غير الحاسم (Non-Decisive Stability)"
وهو نمط يتميز بـ:
• انخفاض احتمالية الحرب الشاملة
• استمرار العمليات المحدودة
• بقاء التهديد كعنصر دائم في البيئة الأمنية
هذا النمط يجعل العراق حالة نموذجية لدراسة تطور الحروب الحديثة في بيئات ما بعد الدولة المركزية.
العراق كنموذج للحرب ما بعد التقليدية
يمكن اعتبار العراق اليوم نموذجًا تطبيقيًا لفهم التحولات في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد المواجهة العسكرية المباشرة هي الشكل الأساسي للصراع، بل أصبحت الحرب تُدار عبر أدوات غير مباشرة، تعتمد على الغموض، والإنكار، وإدارة الإدراك.
إن فهم هذا التحول يتطلب تجاوز التحليل التقليدي للأمن، نحو مقاربة تعتبر أن الصراع لم يعد حدثًا منفصلًا، بل نظامًا مستمرًا لإدارة التوازنات غير المستقرة.
وبهذا المعنى، لا يمثل العراق مجرد ساحة صراع، بل مختبرًا استراتيجيًا لإعادة تعريف الحرب ذاتها في القرن الحادي والعشرين.
تعليقات الزوار