الفساد في المنظومة الأمنية وتغليب معيار الولاء على الكفاءة: مدخل لإضعاف الدولة وتقويض مرتكزات أمنها القومي
بقلم: د. سيف الدين زمان الدراجي - باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي
في بيئة الأمن القومي المعاصر، لم يعد الفساد في المنظومة الأمنية مجرد خلل إداري أو تجاوز مالي محدود الأثر، بل أصبح أحد أخطر التهديدات التي يمكن أن تواجه الدولة من الداخل. فالمؤسسات الأمنية، بمختلف تشكيلاتها ومسؤولياتها، تمثل خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة وحماية النظام العام والاستقرار المجتمعي. وحينما يتسلل الفساد إلى هذه المؤسسات، فإنه لا يضعف الأداء فحسب، بل يمس جوهر الدولة برمتها والقدرة على إنفاذ القانون وحماية المواطنين وإدارة التهديدات بكفاءة ومسؤولية.
تزداد خطورة الفساد عندما يقترن بتغليب معيار الولاء على الكفاءة. ففي هذه الحالة لا تكون المشكلة محصورة في الرشى أو الهدر أو سوء إدارة الموارد والإمكانيات، بل تتحول إلى فساد متجذر يمس هيكل الدولة نفسها. ذلك أن إسناد المناصب الأمنية الحساسة إلى شخصيات لا تمتلك الخبرة او التفكير الاستراتيجي والتحليلي أو القدرة القيادية، التي يتم اختيارها على أساس الولاء أو القرب من مراكز النفوذ أو الانتماء الضيق، يؤدي إلى تراجع المهنية، وإقصاء الكفاءات، وإضعاف سلاسل القيادة والسيطرة، وتشويه القرار الأمني أو الإستخباري.
إن المنظومة الأمنية لا يمكن أن تعمل بكفاءة إذا لم تكن قائمة على معايير واضحة في الاختيار والترقية والمساءلة. فالأمن بمفهومه الشامل لا يتحقق بعدد القوات، ولا بحجم الإنفاق، ولا بكثرة المؤسسات وتشعباتها، وإنما يتحقق بوجود منظومة مهنية محترفة قادرة على تقييم المخاطر، وإدارة الأزمات وقيادتها، وتنسيق الجهود التشاركية، وتوجيه الموارد وفق الأولويات المدروسة. وعندما يغيب معيار الكفاءة، تتراجع جودة القرار، وتضعف القدرة على التنبؤ، وتزداد احتمالات سوء التقدير، وتصبح المؤسسة غير قادرة على مواجهة التهديدات المركبة.
وبالتالي تخلق حالة من اليأس في بيئة طاردة للخبرات، غير آبهة بالتطور وتقديم الأفضل، فالعناصر المهنية التي بنت خبرتها عبر سنوات من الدراسة المتخصصة، و العمل الميداني أو الإداري أو التخطيطي تجد نفسها مهمشة أمام أشخاص يملكون النفوذ أكثر مما يملكون المعرفة. ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى ضعف الروح المعنوية داخل المؤسسة، وتراجع الانضباط، وفقدان الثقة بين المستويات القيادية والتنفيذية. مما يؤدي الى تحول الوظيفة الأمنية من مسؤولية وطنية إلى مغنم، ومن واجب مهني إلى موقع نفوذ.
إن الفساد في المنظومة الأمنية لا يضعف المؤسسة من الداخل فقط، بل ينعكس مباشرة على علاقة المواطن بالدولة. فالمواطن عندما يشعر بأن المؤسسة لا تعمل وفق معيار العدالة والمهنية، تتراجع ثقته بقدرة الدولة على حمايته. وهذه الثقة ليست مسألة معنوية فقط، بل هي عنصر أساسي في الأمن الوطني. فالتعاون المجتمعي، والإبلاغ عن المخاطر، واحترام القانون، والشعور بالانتماء إلى الدولة، كلها عوامل تعتمد على ثقة المواطن بالمؤسسات الأمنية.
ومن هنا فإن مكافحة الفساد الأمني ليست دفاعاً عن المال العام فقط، بل دفاع عن شرعية الدولة وهيبتها ومكانتها في نظر مواطنيها.
أما على المستوى المؤسسي، فأن الفساد يؤدي إلى إضعاف الجاهزية الأمنية من خلال مسارات عدة. فهو قد يؤثر في العقود والتجهيزات، فيجعل الموارد لا تصل إلى مستحقيها أو لا تستخدم في مكانها الصحيح. وقد يؤثر في إدارة الموارد البشرية، وفي عمليات التدريب والتأهيل، فيجعلها شكلية أو غير مرتبطة بالاحتياجات الفعلية. مما يؤثر بشكل مباشر في اليات تقييم الأداء، وتقديم المُنتج، وبذلك تدفع الدولة كلفة أمنية وسياسية ومؤسسية كبيرة.
اما على المستوى الدولي، فأن إستشراء الفساد بمختلف ادواته ومعانيه وطرقه، يؤدي الى تقويض قدرة الدولة على كسب ثقة الشركاء الدوليين، إذ للدول - لاسيما تلك التي تتمتع بأنظمة أمنية وإستخبارية متطورة، ورقابة مؤسساتية متقدمة- مجساتها التي تستطيع من خلالها تقييم شراكاتها الإستراتيجية ومدى موثوقية التعاون الثنائي والمتعدد بما يحقق المصالح الوطنية ويدعم سبل تحقيق أهدافها وسياسات حكوماتها لضمان بيئة دولية آمنة ومستقرة قادرة على تعزيز نموها وأزدهارها ورفاهية شعوبها.
ان التجارب الدولية ضمن هذا الإطار تزخر بأمثلة مهمة، ركزت بشكل أساسي على أن إصلاح المنظومات الأمنية والاستخبارية لا يتحقق بزيادة الصلاحيات وحدها، بل بإعادة بناء الحوكمة، والرقابة، ومعايير الكفاءة، وضبط العلاقة بين الأمن والقانون والسياسة. ففي كندا، أدت المراجعات التي أعقبت إشكالات ارتبطت بعمل جهاز أمني تابع للشرطة الفدرالية إلى إنشاء جهاز مدني مستقل للأمن والاستخبارات، يعمل ضمن إطار قانوني ورقابي أكثر وضوحاً. إذ كان جوهر الإصلاح هو الفصل بين بعض الوظائف الأمنية، وتعزيز المساءلة، ومنع تداخل الصلاحيات.
وفي الولايات المتحدة، شكلت هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، نقطة تحول كبرى في بنية المنظومة الأمنية والاستخبارية. فقد أظهرت المراجعات أن المشكلة لم تكن في غياب المعلومات فقط، بل في ضعف التنسيق بين الأجهزة لاسيما بين وكالة الإستخبارات المركزية CIA ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، وتشتت الصلاحيات وعدم قدرة المؤسسات على ربط المؤشرات ببعضها في الوقت المناسب. لذلك جاء الإصلاح من خلال إنشاء منصب مدير الاستخبارات الوطنية ODNI، وتأسيس مركز وطني لمكافحة الإرهاب، وتعزيز آليات تبادل المعلومات بين المؤسسات. والدرس الأهم هنا أن الكفاءة المؤسسية لا تتحقق بامتلاك المعلومات فقط، بل بقدرة الدولة على تنسيقها وتحليلها وتحويلها إلى قرار فعال.
أما في المملكة المتحدة، فقد اتجه الإصلاح إلى تعزيز الرقابة القانونية والبرلمانية على عمل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، وتعزيز التعاون والتنسيق بين جهازي الاستخبارات الداخلي MI5 وجهاز الاستخبارات الخارجيMI6، وهو ما تحقق بتشكيل لجنة الاستخبارات المشتركة JIC، بما يحقق توازناً بين متطلبات الأمن القومي، وتنسيق الجهود الإستخبارية، وحماية الحقوق المدنية وسيادة القانون. كما جرى تطوير دور لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان، وتوسيع نطاق الرقابة على السياسات، والإدارة، والإنفاق، وبعض الجوانب العملياتية. وتوضح هذه التجربة أن الرقابة ليست نقيضاً لقوة الأجهزة الأمنية، بل يمكن أن تكون مصدراً لتعزيز شرعيتها ورفع ثقة المواطن بها.
وفي جنوب أفريقيا، قدمت مراجعات عمل جهاز أمن الدولة مثالاً مهماً على خطورة التسييس والولاءات داخل المؤسسات الأمنية الحساسة. فقد أوصت المراجعات بإعادة بناء الحوكمة، وتعزيز الرقابة، وفصل العمل المهني عن الاعتبارات السياسية، وإعادة توجيه المؤسسة نحو خدمة الدستور والدولة لا خدمة الحسابات الضيقة للمتنفذين. وقد أكدت هذه التجربة أن أي جهاز أمني يفقد بوصلته المهنية قد يتحول من أداة لحماية الدولة إلى مصدر إرباك داخلها، وأن العلاج لا يكون بتغيير الأسماء فقط، بل بإصلاح الثقافة المؤسسية والقواعد القانونية وآليات المساءلة.
وتكشف هذه الأمثلة أن إصلاح المنظومة الأمنية يحتاج إلى مقاربة متكاملة. فلا يكفي تغيير القيادات إذا بقيت القواعد التي تنتج الخلل كما هي. ولا يكفي رفع شعار النزاهة إذا ظلت المناصب الحساسة خاضعة للولاءات. ولا يكفي تعزيز الموارد إذا بقيت آليات الصرف والتعاقد والتقييم ضعيفة. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المؤسسة الأمنية من التسييس، وبناء ثقافة داخلية تعتبر النزاهة جزءاً من الجاهزية الأمنية لا مجرد قيمة أخلاقية عامة.
إن مكافحة الفساد في المنظومة الأمنية يجب أن تشمل مراجعة منظومات التعيين والترقية، وتدقيق العقود والمشتريات وأتمتتها، وضبط سلاسل الإمداد، وتطوير قواعد بيانات دقيقة للموارد البشرية، وتعزيز التفتيش الداخلي، وثقافة التقييم المؤسسي، وإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي المؤمنة، وتفعيل الرقابة القانونية والإدارية بما لا يضر بسرية العمل الأمني والإستخباري ومتطلباته المهنية. فالرقابة الذكية لا تعطل المؤسسة، بل تحميها من الانحراف والاختراق وسوء الإدارة. مع مراعاة تقديم الدعم الفني والمالي المناسب لمواكبة المخاطر والتهديدات التي باتت تتطور بشكل كبير بأساليبها وأدواتها.
كما ينبغي أن تكون هناك مراجعة مستمرة للمناصب الأمنية الحساسة التي لابد ان تكون مرتبطة بمسار مهني واضح يقوم على الخبرة، والنزاهة، والكفاءة، والسجل الوظيفي، والقدرة على القيادة. فالمسؤول الأمني يدير جزءاً من أمن الدولة وسمعتها وثقة المجتمع بها، ولذلك فإن الخطأ في اختياره لا يبقى خطأً إدارياً، بل قد يتحول إلى خلل استراتيجي ينعكس على القرار والجاهزية وهيبة الدولة.
إن الأمن القومي لا يقوم على القوة الصلبة أو الناعمة أو حتى الذكية وحدها، بل يقوم أيضاً على الثقة، والمؤسسية، والعدالة، والكفاءة، ومواكبة عجلة التطور في التفكير والمعالجة.
في الختام لابد من التأكيد على أن الدولة التي تمتلك أجهزة أمنية كثيرة لكنها تفتقر إلى النزاهة والمهنية قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تكون معرضة للهشاشة من الداخل. أما الدولة التي تحصن مؤسساتها الأمنية بالقانون والكفاءة والمساءلة ومواكبة عجلة التطور، فإنها تمتلك قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، وحماية المواطنين، وبناء علاقات أكثر ثقة مع شركائها الدوليين.
تعليقات الزوار