En

هل يمكن أن يصبح قطاع الرعاية الصحية الرابح الأكبر المقبل من ثورة الذكاء الاصطناعي؟

حققت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي حتى الآن مكاسب للشركات المنتجة لأشباه الموصلات والبنية التحتية للحوسبة وغيرها من التقنيات التي تدعم التوسع السريع في هذا المجال. غير أن الموجة المقبلة من المكاسب في الأسواق قد تتحول بصورة متزايدة نحو الصناعات التي تتبنى هذه التكنولوجيا، مع بروز قطاع الرعاية الصحية بوصفه أحد المستفيدين المحتملين الرئيسيين.

ويشير تحليل أعدّه فريق الأسهم الأساسية الكمي في شركة «بلاك روك»، واستند إلى أكثر من ألف تقرير لأرباح شركات مدرجة في الأسواق، إلى أن حصة متزايدة من الشركات العاملة في قطاعات السوق الأميركية بدأت تسجل فوائد مالية قابلة للقياس نتيجة اعتماد الذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من أن هذا التحول لا يزال في مراحله الأولى، فإن النتائج تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتجاوز مرحلة الاستثمار في البنية التحتية، ليتجه نحو التطبيقات العملية في قطاع الأعمال. وحتى داخل قطاع التكنولوجيا، لا تتجاوز نسبة الشركات التي أفادت بأن الذكاء الاصطناعي أسهم في تحسين أرباحها النهائية 30 في المئة.

ويتمتع قطاع الرعاية الصحية بموقع متميز للاستفادة من هذه التحولات، نظراً لما يمتلكه من بيانات خاصة وواسعة النطاق، وارتفاع تكاليف البحث والتطوير، فضلاً عن المكاسب الاقتصادية المحتملة من تسريع عمليات اكتشاف الأدوية وتطويرها.

ميزة البيانات في قطاع الرعاية الصحية قد تُحدث تحولاً في تطوير الأدوية

تتمثل إحدى أبرز مزايا قطاع الرعاية الصحية في سباق الذكاء الاصطناعي في الحجم الهائل من المعلومات والبيانات الخاصة التي تراكمت على مدى عقود من الأبحاث الطبية وتطوير المستحضرات الدوائية.

فما يقرب من 90 في المئة من الأدوية التي تدخل مرحلة التطوير لا تحصل في نهاية المطاف على الموافقة للاستخدام، ما يترك لدى شركات الأدوية مجموعات ضخمة من البيانات المستمدة من البرامج البحثية غير الناجحة والتجارب السريرية.

وتمتلك بعض الشركات بيانات تاريخية تمتد لأكثر من قرن، ويمكن أن تسهم هذه المعلومات في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحسين الأبحاث المستقبلية.

وقد تتحول هذه المعلومات إلى ميزة تنافسية كبيرة إذا مكّن الذكاء الاصطناعي الباحثين من تحديد الأنماط في التجارب الفاشلة، وتحسين تصميم الجزيئات، والتعرف على الأهداف الدوائية الواعدة بكفاءة أكبر.

ويستغرق تطوير دواء جديد حالياً نحو عشر سنوات، وتبلغ كلفته قرابة ملياري دولار. ويمكن للذكاء الاصطناعي تقليص الوقت والنفقات المرتبطة بهذه العملية، من خلال دعم مراحلها المختلفة، بدءاً من الأبحاث الأولية وتحليل الجينوم، وصولاً إلى الاختبارات السريرية وإعداد الوثائق المطلوبة للموافقات التنظيمية.

كما يمكن أن يسهم تسريع تطوير الأدوية في تحسين الأداء المالي لشركات الصناعات الدوائية. ونظراً إلى أن العمر التجاري للأدوية وفترات الحماية ببراءات الاختراع محدودة، فإن طرح المنتجات في الأسواق بوقت مبكر يتيح تحقيق الإيرادات بصورة أسرع، وإطالة الفترة التجارية الفعلية للدواء، وتقليل رأس المال المرتبط بالاستثمارات البحثية.

شيخوخة السكان توفر محركاً إضافياً للنمو

تأتي الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي بالتزامن مع المزايا التقليدية للطلب في قطاع الرعاية الصحية.

فالإنفاق على الرعاية الصحية يتمتع عموماً بقدرة أكبر على الصمود أمام فترات التباطؤ الاقتصادي مقارنة بالإنفاق في العديد من الصناعات الأخرى، لأن الحاجة إلى العلاج الطبي تظل قائمة بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية العامة.

كما توفر التغيرات الديموغرافية مصدراً إضافياً للنمو على المدى الطويل. ووفقاً للأمم المتحدة، من المتوقع أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر عدد الأطفال دون سن 18 عاماً على مستوى العالم بحلول عام 2080، في مؤشر يعكس تزايد احتياجات الرعاية الصحية المرتبطة بشيخوخة السكان.

وقد دعمت هذه العوامل الهيكلية تقليدياً ارتفاع التقييمات السوقية لشركات الرعاية الصحية مقارنة بالسوق الأوسع للأسهم.

لكن القطاع شهد مؤخراً تداول أسهمه عند مستويات تقييم أقل، بعد أن هيمنت على عوائد الاستثمار الشركات المستفيدة بصورة مباشرة من التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ومن الممكن أن تساعد التحسينات في الإنتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي قطاع الرعاية الصحية على استعادة جزء من علاوته السابقة في التقييمات السوقية. ومع ذلك، قد يستغرق هذا التحول وقتاً، نظراً إلى خضوع الأبحاث الطبية وتقديم خدمات الرعاية الصحية لمتطلبات تنظيمية واسعة ومعقدة.

المستثمرون يعودون إلى أسهم الرعاية الصحية

بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على تجدد اهتمام المستثمرين بالقطاع.

وتُظهر بيانات «بلاك روك» أن التدفقات الاستثمارية الشهرية إلى المنتجات المتداولة في البورصة المرتبطة بقطاع الرعاية الصحية أصبحت إيجابية بصورة منتظمة في أواخر عام 2025، بعد نحو عامين من تسجيل تدفقات خارجة.

فقد سُحب أكثر من 17 مليار دولار من هذه المنتجات خلال الفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني 2023 وأغسطس/آب 2025، لكن القطاع استقطب منذ ذلك الحين نحو 25 مليار دولار من التدفقات الاستثمارية العائدة.

كما حافظ قطاع الرعاية الصحية على جاذبيته بوصفه استثماراً دفاعياً خلال فترات تراجع أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ووجد تحليل «بلاك روك» لأداء السوق الأميركية منذ إطلاق «تشات جي بي تي» عام 2022 أن أسهم الرعاية الصحية تفوقت عادةً في أدائها خلال الأيام التي شهدت تراجعاً في أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويشير ذلك إلى أن القطاع قد يوفر للمستثمرين فرصة للاستفادة من مصدر محتمل جديد للنمو التكنولوجي، مع توفير قدر من الحماية في مواجهة التقلبات التي تشهدها القطاعات الأكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي قد يوسع الفجوة بين الشركات الرابحة والخاسرة في قطاع الرعاية الصحية

على الرغم من الفرص التي يوفرها القطاع، فمن غير المرجح أن تتوزع الفوائد المالية للذكاء الاصطناعي بالتساوي بين شركات الرعاية الصحية.

وتُظهر بيانات شركة «فاكت سِت» (FactSet) الخاصة بمؤشر «راسل 3000 للرعاية الصحية» وجود فجوة في الأداء بلغت 122 في المئة بين الأسهم الأفضل والأسوأ أداءً في القطاع خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2025. ويقارن ذلك بفجوة بلغت 67 في المئة في مؤشر «راسل 3000» الأوسع نطاقاً.

وتسلط هذه الفجوة الضوء على أهمية القدرات الخاصة بكل شركة في تحديد أدائها الاستثماري. فشركات الصناعات الدوائية التي تمتلك مجموعات واسعة من البيانات الخاصة، وبنية تحتية بحثية راسخة، وموارد مالية تتيح لها دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها، قد تكون في وضع أفضل مقارنة بمنافسيها الذين يمتلكون مزايا تكنولوجية أقل.

كما يمكن للتحديات التنظيمية، وتكاليف التطبيق، والصعوبات المرتبطة بتحويل الأبحاث التي ينتجها الذكاء الاصطناعي إلى علاجات تحصل على الموافقات الرسمية، أن تحد من الفوائد التي تحققها بعض الشركات.

وفي نهاية المطاف، فإن احتمال بروز قطاع الرعاية الصحية بوصفه المستفيد الاستثماري الكبير المقبل من الذكاء الاصطناعي، سيعتمد على قدرة الشركات على تحويل التحسينات التكنولوجية إلى مكاسب ملموسة في الإنتاجية وتعزيز الأرباح.

 

لقد كافأت المرحلة الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي الشركات التي عملت على بناء هذه التكنولوجيا، أما المرحلة المقبلة فقد تكافئ بصورة متزايدة الصناعات القادرة على استخدامها لإحداث تحول في نماذج أعمالها التقليدية.

وقد يكون قطاع الرعاية الصحية من بين أكثر القطاعات الواعدة في هذا المجال، رغم أن تحديد الشركات القادرة على تحويل اعتماد الذكاء الاصطناعي بنجاح إلى نتائج تجارية ملموسة سيظل عاملاً أساسياً في القرارات الاستثمارية.

تعليقات الزوار