تقرير المخاطر العالمي 2026.. لماذا تتحول العواصف إلى كوارث؟
كشف تقرير المخاطر العالمي 2026 أن العواصف باتت تمثل واحداً من أكثر الأخطار الطبيعية تدميراً على مستوى العالم، ليس بسبب قوة الرياح وحدها، وإنما نتيجة تداخل التغير المناخي مع الهشاشة الاجتماعية وضعف البنية التحتية وأنظمة الإنذار والحماية، ما يجعل العاصفة ذاتها تمر بأضرار محدودة في دولة وتتحول إلى كارثة إنسانية واقتصادية في أخرى.
ويصدر التقرير سنوياً عن تحالف Bündnis Entwicklung Hilft بالتعاون مع معهد القانون الدولي للسلام والنزاعات المسلحة IFHV في جامعة الرور بمدينة بوخوم الألمانية، واختار في نسخته لعام 2026 العواصف محوراً رئيسياً تحت عنوان: «لماذا تتحول العواصف إلى كوارث؟».
ويؤكد التقرير أن الكوارث ليست مجرد أحداث طبيعية، إذ لا تتحول الزلازل والفيضانات والعواصف إلى أزمات إنسانية واسعة إلا عندما تصطدم بمجتمعات تعاني مستويات مرتفعة من الهشاشة، ولا سيما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يؤدي الفقر وضعف البنية التحتية وقصور الاستعداد إلى مضاعفة تداعيات الظواهر الطبيعية المتطرفة.
108 عواصف وأكثر من 107 مليارات دولار سنوياً
ويكشف التقرير، استناداً إلى قاعدة بيانات الكوارث الدولية EM-DAT، تسجيل متوسط بلغ 108 أحداث مرتبطة بالعواصف سنوياً بين عامي 2005 و2024، تسببت في وفاة أكثر من 10 آلاف شخص سنوياً، وخسائر اقتصادية تجاوز متوسطها 107 مليارات دولار كل عام.
وتستحوذ العواصف وحدها على نحو 50% من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث عالمياً، رغم أن حصتها من الوفيات أقل بكثير، ما يعكس حجم الدمار الذي يمكن أن تلحقه بالمساكن والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.
لكن الأرقام المطلقة، بحسب التقرير، لا تكشف دائماً الحجم الحقيقي للكارثة؛ فالخسائر المالية الكبيرة التي تستطيع الاقتصادات الغنية امتصاصها قد تعادل سنوات من الناتج الاقتصادي لدولة فقيرة أو جزيرة صغيرة.
ويستشهد التقرير بإعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة عام 2005 وتسبب بخسائر بلغت 186.3 مليار دولار، لكنها ظلت أقل من 1% من الدخل القومي الإجمالي الأميركي، في حين يمكن لعاصفة مماثلة أن تدمر حصيلة سنوات من النشاط الاقتصادي في دولة صغيرة أو فقيرة.
العواصف لا تزداد عدداً.. لكنها تصبح أشد
ويشير التقرير إلى أن العدد الإجمالي للأعاصير المدارية عالمياً لم يشهد زيادة كبيرة، إلا أن الأدلة العلمية تظهر أن شدتها تتزايد بفعل تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري.
ويؤدي ارتفاع حرارة سطح البحار إلى توفير مزيد من الطاقة للأعاصير المدارية، ما يزيد سرعة الرياح وكميات الأمطار المصاحبة لها، فيما ترتفع حصة الأعاصير الأقوى، ولا سيما تلك المصنفة ضمن الفئات الثالثة والرابعة والخامسة.
ومن أخطر الظواهر التي يرصدها التقرير ما يعرف بـ**«التكثف السريع»**، عندما تزداد سرعة رياح العاصفة بما لا يقل عن 55 كيلومتراً في الساعة خلال 24 ساعة فقط.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تقلص الوقت المتاح لإجلاء السكان والاستعداد للعاصفة بصورة كبيرة، إذ قد تقفز العاصفة خلال ساعات من فئة إلى أخرى أعلى، فتتحول خطط الطوارئ الموضوعة لمواجهة عاصفة محدودة إلى إجراءات غير كافية أمام إعصار شديد.
المياه أكثر فتكاً من الرياح
ورغم ارتباط العواصف في أذهان كثيرين بالرياح العاتية، يشير التقرير إلى أن عرام العواصف والفيضانات يمثلان أحد أكبر مصادر الخطر على الأرواح.
فالعواصف غالباً ما تكون مصحوبة بأمطار غزيرة وفيضانات وانهيارات أرضية وانقطاع للكهرباء والمياه والاتصالات، وهو ما قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات تستمر أياماً أو أسابيع بعد انتهاء العاصفة نفسها.
ويؤكد التقرير أن عرام العواصف، وليس الرياح، كان مسؤولاً تاريخياً عن غالبية الوفيات المرتبطة بالأعاصير المدارية. ففي إعصار بولا الذي ضرب بنغلاديش عام 1970، لقي ما لا يقل عن 300 ألف شخص حتفهم، معظمهم بسبب عرام العاصفة.
ويزيد ارتفاع مستوى سطح البحر من حجم هذا التهديد، إذ يمكن لمناطق ساحلية كانت تعد آمنة في السابق أن تصبح معرضة للفيضانات، فيما تفقد منشآت الحماية الساحلية المصممة وفق مستويات البحر الحالية جزءاً من فاعليتها مستقبلاً.
الفقر والهشاشة يحولان الخطر إلى كارثة
ويضع التقرير الهشاشة المجتمعية في قلب تفسير الاختلاف الكبير في نتائج العواصف بين الدول.
فالمعادلة لا تتعلق فقط بقوة الرياح أو كمية الأمطار، وإنما أيضاً بمكان إقامة السكان، وصلابة المنازل، وكفاءة شبكات الكهرباء والمياه والصحة، ووجود أنظمة إنذار مبكر، وقدرة الدولة على تنفيذ عمليات الإجلاء وتقديم المساعدات ثم إعادة الإعمار.
وتزداد المخاطر بصورة خاصة في المدن الساحلية سريعة النمو، حيث تتركز أعداد كبيرة من السكان والموانئ والمستشفيات وشبكات الطاقة والمنشآت الاقتصادية في مناطق معرضة للأعاصير والفيضانات.
كما تواجه الدول الجزرية الصغيرة خطراً مضاعفاً، لعدم امتلاكها في كثير من الأحيان مناطق داخلية آمنة يمكن نقل السكان والموارد إليها عند وقوع الكارثة.
ويورد التقرير مثالاً على ذلك بإعصار ماريا الذي ضرب دومينيكا عام 2017، حيث بلغت الأضرار ما يعادل 226% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
كوبا وهايتي.. العاصفة واحدة والنتائج مختلفة
ومن أبرز الأمثلة التي يقدمها التقرير للمقارنة بين الخطر الطبيعي والهشاشة الاجتماعية ما حدث عند مرور إعصار ماثيو عام 2016.
فقد ضرب الإعصار هايتي ثم كوبا في ظروف جوية متقاربة للغاية، وبرياح وصلت سرعتها إلى نحو 230 كيلومتراً في الساعة، إلا أن النتائج كانت مختلفة جذرياً.
في هايتي، قتل أكثر من 500 شخص وفقد مئات الآلاف مصادر رزقهم، بينما لم تسجل كوبا أي وفاة مباشرة مرتبطة بالإعصار.
ويربط التقرير هذا الاختلاف بامتلاك كوبا منظومة دفاع مدني واسعة، وخطط إجلاء إلزامية، وأنظمة إنذار مبكر، واستعداد مجتمعي للكوارث جرى تطويره على مدى سنوات.
أما هايتي فكانت تعاني بنية تحتية ضعيفة وقدرات مؤسسية محدودة وفقرًا وعدم استقرار سياسي، فضلاً عن استمرار تداعيات زلزال عام 2010.
ومن هنا يخلص التقرير إلى أن العاصفة وحدها لا تحدد حجم الكارثة، وإنما ما يمتلكه المجتمع من أدوات لمواجهتها.
الفلبين الأكثر تعرضاً لمخاطر العواصف
ويكشف التقرير عن تفاوت عالمي شديد في التعرض للعواصف، إذ إن 123 دولة من أصل 193 دولة تكاد تكون غير معرضة لهذا النوع من الأخطار، بينما تتحمل عشر دول الجزء الأكبر من التعرض العالمي للعواصف.
وتتصدر الفلبين مؤشر مخاطر العواصف لعام 2026 بنتيجة 69.27 نقطة، تليها المكسيك بـ47.40 نقطة، ثم مدغشقر بـ44.99 نقطة.
أما من حيث التعرض للعواصف وحدها، فتأتي الفلبين أيضاً في المقدمة، تليها اليابان والصين وكوريا الجنوبية والمكسيك وموريشيوس ومدغشقر والولايات المتحدة وميكرونيزيا وأستراليا.
ويشير التقرير إلى أن هذا التركز يجعل العواصف من أكثر الأخطار الطبيعية تفاوتاً في توزيعها الجغرافي حول العالم.
الفلبين والهند وإندونيسيا في صدارة المخاطر العالمية
ولا يقتصر التقرير على العواصف، إذ يقدم مؤشر المخاطر العالمي 2026 الذي يقيس مخاطر الكوارث من خلال الجمع بين مستوى التعرض للأخطار الطبيعية ودرجة الهشاشة المجتمعية.
وجاءت الفلبين في المرتبة الأولى عالمياً على المؤشر بدرجة 46.69 نقطة، تلتها الهند بـ44.97، ثم إندونيسيا بـ44.63.
ويشير التقرير إلى أن ترتيب الدول الأكثر تعرضاً للمخاطر ظل مستقراً نسبياً خلال السنوات الـ25 الماضية، إلا أن الدول التي تدفعها النزاعات وعدم الاستقرار إلى مستويات مرتفعة من الهشاشة أصبحت تظهر بصورة متزايدة في المراتب العليا.
الإنذار المبكر لا يكفي إذا لم يصل إلى الجميع
ويولي التقرير أهمية كبيرة لأنظمة الإنذار المبكر، لكنه يشدد على أن وجود التكنولوجيا وحده لا يكفي لإنقاذ الأرواح.
فالتحذير يفقد قيمته إذا وصل متأخراً، أو صدر بلغة لا يفهمها السكان، أو لم يصل إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون هواتف أو وسائل اتصال، أو إلى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، أو إلى الأسر التي لا تستطيع تحمل كلفة الانتقال إلى مكان آمن.
لذلك يدعو التقرير إلى جعل أنظمة الإنذار متمحورة حول الإنسان، بحيث لا تكتفي بإبلاغ السكان بسرعة الرياح، وإنما تأخذ في الاعتبار قدرة مختلف الفئات على الاستجابة.
ويستشهد التقرير بتجربة بنغلاديش، حيث أدى تطوير شبكة واسعة من ملاجئ الأعاصير وأنظمة الإنذار المجتمعية إلى خفض أعداد الضحايا بصورة هائلة؛ فبعدما قتل إعصار بولا ما لا يقل عن 300 ألف شخص عام 1970، بلغ عدد ضحايا إعصار سيدر عام 2007 نحو 3400 شخص رغم قوته الشديدة.
فجوة تأمينية بين الشمال والجنوب
ويكشف التقرير كذلك عن فجوة كبيرة في القدرة على التعافي بعد الكوارث.
ففي دول الشمال العالمي، تغطي شركات التأمين نحو نصف أضرار العواصف، بينما تقل النسبة في دول الجنوب العالمي عن 10%، وفي بعض الدول تنخفض إلى مستويات أقل من ذلك بكثير.
ويعني غياب التأمين أن الأسر المتضررة تضطر بعد الكوارث إلى استخدام مدخراتها أو الاستدانة أو بيع الأراضي والمواشي وأدوات العمل، بل وقد تضطر إلى إخراج الأطفال من المدارس، وهو ما يمكن أن يحول كارثة مؤقتة إلى دائرة فقر تمتد آثارها سنوات أو أجيالاً.
تحويلات المهاجرين.. شبكة إنقاذ غير رسمية
ويلفت التقرير إلى دور قلما يحظى بالاهتمام في إدارة الكوارث، ويتمثل في تحويلات المهاجرين إلى أسرهم في بلدانهم الأصلية.
فبعد وقوع العواصف، ترتفع التحويلات المالية من المغتربين وتصل في كثير من الحالات بصورة أسرع وأكثر مباشرة من المساعدات الحكومية أو الدولية، كما أن حجم هذه التحويلات عالمياً يفوق المساعدات الرسمية المقدمة في حالات الطوارئ.
لكن التقرير يحذر في الوقت نفسه من الاعتماد عليها كبديل لأنظمة الحماية الرسمية، لأنها لا تصل إلا إلى الأسر التي لديها أقارب في الخارج، ما قد يوسع الفجوة بينها وبين الأسر التي لا تمتلك شبكات دعم خارجية.
الحماية هي العامل الحاسم
ويخلص تقرير المخاطر العالمي 2026 إلى أن الحد من خسائر العواصف لا يتطلب فقط تحسين التنبؤات الجوية، وإنما بناء منظومة متكاملة تشمل الإنذار المبكر، وخطط الإجلاء، والبنية التحتية المقاومة للكوارث، والحماية الاجتماعية، والتأمين وتمويل الكوارث، إلى جانب دعم شبكات التضامن المحلية.
وتتلخص الرسالة المركزية للتقرير في أن العواصف تتحول إلى كوارث عندما تغيب الحماية، وأن الفئات الأكثر هشاشة هي التي تدفع الثمن الأكبر.
وبذلك، فإن حجم الكارثة ليس قدراً تحدده قوة الطبيعة وحدها؛ فالعاصفة نفسها قد تمر بأضرار يمكن احتواؤها في مجتمع مستعد، بينما تتحول إلى أزمة إنسانية طويلة الأمد في مجتمع يعاني ضعف البنية التحتية والمؤسسات والحماية الاجتماعية.
ومن هنا يضع التقرير مسؤولية الحد من المخاطر في قلب السياسات العامة، مؤكداً أن تقليل الهشاشة أمر ممكن، وأن الحماية لا تكون حماية حقيقية ما لم تشمل الجميع من دون استثناء.

تعليقات الزوار